وداعاً دكتور محمود السعيد.

بقلم
المؤلف والمخرج
فارس البحيري.

هو وأنا ننتمي إلى جيل واحد ،وجيل واحد تاخذ أكثر من معني . وسأخذ المعني الأوسع، الذي يشير الي الحياه تحت سقف عصر بأكمله.
وبهذا المعني فإننا ننتمي إلي جيل ثورة 25 يناير.
وهذا الجيل الذي وضع أهدافه ومبادئ مرحلته، ضد الحرب النفسية والإعلامية التي شنها عليه الجيل القديم الذي ينتمى إلى عصر مبارك البائد. وهذا الجيل. جيل ثورة يناير العظيمة ، حملت عنه الثورة ، ” المجد والاخطاء ” بتعبير الجوهري في رثائه وأكتفي هو بالتاييد والفخر بالمنجزات، التي كان بعضها حقيقياً وباقيا، وكثير منها لم يصمد لاختبار الزمن.
نحن جيل أعظم ثورة في تاريخ مصر حملنا كل قسمات هذا الجيل، وأهمها الإخفاق في تحقيق الإنجاز حتي نهايته، وترجمة المطلوب كاملاً في أرض الواقع.
قد لا ينطبق هذا على الجميع. ولكنه يشير إلى الملمح الأكثر عمومية .
بدأ الدكتور محمود السعيد، في مطلع الالفنيات ، مبشراً ببزوغ نجم في سماء الكتابة النثرية أو القصة القصيرة. لفت إليه الانظار، من خلال كتاباته علي صفحته الشخصية علي موقع التواصل الإجتماعي فيس بوك وعندما قرأت له أكثر من موضوع ، أصبحنا أصدقاء. عبر فيس بوك ومن حينها وأنا شخصياً أعتبر الدكتور محمود السعيد كاتب مهم جداً بل يكاد يكون من أهم الأدباء الراسخين من ادباء القمه. ورغم أن كتاباته كانت معظمها من خلال صفحته الشخصية فقط.
ولكنه لم يتوقف عن الإبداع الأدبي، واختار لنشرها، المجلات الإلكترونية غير الورقيه، والنشرات التي يصدرها أدباء شباب،
بجهودههم الخاصه، وأحيانا مجلات الأقاليم.
في مسقط رأسه محافظة المنصورة.
في هذه المنطقة البعيدة عن الأضواء ،وجد نفسه، يبث من خلال صفحاتها اشواقه ورؤاه. لم يتزحزح عنها. لا يريد أن يكون نجماً. ولا يسعي للوقوف تحت أي أضواء. قانعاً بجمهوره من خلال صفحته . أحبه الذين قرأوا له، واحسوا بما تنطوي عليه جوانحه، من طيبه، ونفور من التزاحم والعراك علي المغانم.
كانت مطالبه في الحياة قليله، جميعها للإنسانية بشكل عام ولم يحس أن الحياة ضنت عليه بشيء ، لم يطمع إلا في أكثر من أجازة صيف، في ( جنته الصغيرة ) في إحدى قرى محافظة المنصورة والتي تقوم أسرته الآن ببناء مسجد ومكتبه تحمل أسمه في نفس المكان لتصبح جنة حقيقة كما تمنى كانت قرية الأحلام بالنسبة له. كانت متعته أن يرى أفراد أسرته مستمتعين بالحياة والنسمات والانطلاق. وكان هو يكفيه كوب الشاى الذى يتناوله مع كتاب أو رواية يستمتع بقرائتها في الهواء الطلق. ثم يعود بعده سعيدا للتمتع بالجلوس على كرسي غير بعيد من الكاونتر داخل إحدى الصيدليات حيث كان يعمل دكتور صيدلي مستريحا في بالطوه الأبيض الفضفاض حيث كان يرسل لنا يوماً بعد يوم صوره من دخل تلك الصيدلية.
وعلي ذكر الأجيال، فنحن اليوم من جيل الشباب بعد فشل ثورتنا هذا الجيل تدب في أوصاله الشيخوخة. ويقترب أفراده من الثمانين من عمرهم دون أن يصل أحدهم إلى الثلاثون من السن الحقيقي. شيخوخة تدفعهم إلى الاعتكاف ومغالبة الامراض النفسيه واسوار العزله. ومن الغريب، أنه من بيننا ،لم يكن يعاني من أي مرض، أو يتناول أي أدويه، ولكن فجأة سمعنا خبر وفاة الدكتور محمود السعيد، وأطبقت عليه علامات النهايه. ليسدل الستار عن حكاية شاب كان يحمل بين ضلوعه حب وأمل وسعادة وبهجة لجيل كامل كان قد فقد الأمل في الغد.
كان إنساناً طيباً ذا قلب سليم.
( رحمه الله ) فقد مر في حياتنا كنسمة صافية .. بابتسامة زاهدة في كل المغريات ..

Related posts